السيد محمد الصدر
56
منة المنان في الدفاع عن القرآن
وقد أشرنا في درس الأصول إلى نكتة يحسن ذكرها هنا : وهي أن لفظ الناس استعمله في القرآن الكريم وأراد به البشر المتدنين في الإيمان والثقافة والمقتربين إلى الذنب والرذيلة . قال تعالى « 1 » : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ . وكلا الاستعمالين للناس هنا كذلك . والأعم الأغلب من الآيات القرآنية التي ذكرت الناس كذلك . فإذا استطعنا القول إن الأعم الأغلب يكون قرينة على غيره ، فيكون ذلك قرينة على أن المراد بهم في هذه السورة أيضا ذلك . ولأن اللّه سبحانه وإن كان هو إله كل الناس وملك كل الناس ورب كل الناس ، بمختلف مستوياتهم ، إلّا أن الذي يقصد الاستعاذة هو الذي يشعر بالخوف ، وهم طبقة غير عالية في درجات اليقين . سؤال : لما ذا كرر الناس عدّة مرات ، ولم يعد لهم الضمير في المرتين الأخيرتين « 2 » . جوابه : مضافا إلى ما قلناه في أجوبة السؤال السابق من ضرورة حفظ النسق القرآني السيني أولا ، وبيان الاهتمام والتركيز على الناس ثانيا ، وحفظ السياق القرآني في السورة ثالثا . وحفظ الذوق العام اللطيف فيها رابعا . مضافا إلى كل كذلك ، قال صاحب الميزان « 3 » : ( وبذلك يظهر وجه تكرار الناس من غير أن يقال : ربهم وإلههم وملكهم . فقد أشير إلى أن كلا من الصفات الثلاث ، يمكن أن يتعلق بها العوذ وحدها من غير ذكر الآخرين لاستقلالها ) أي استقلاليتها في دفع الشر ، فكل واحد منها له استقلالية ، وإنما اجتمعت كلها لمزيد الرحمة والعطاء . ولو ذكر الضمير لكان المنظور جملة واحدة أو شيئا مجملا ، فاقدا للاستقلالية .
--> ( 1 ) آل عمران / 173 . ( 2 ) كما لو قال : أعوذ برب الناس ملكهم وإلههم . . . ( 3 ) انظر : ج 20 ، ص 396 .